بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله أولاً حمداً كثيراً متوالياً، وإن كان يتضاءل دون حقِّ جلاله حمدُ الحامدين.
أحمده استسلاماً لعزته، واستتماماً لنعمته، واستدراراً لسوابغ رحمته.
وأصلي وأسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله وخير خليقته، انقياداً لنبوَّته، واستجلاباً لشفاعته، وقضاءً لحق رسالته، صلاةً تستغرق مع سيد البشر سائر المرسلين وآل كلٍّ وأصحاب كلٍّ أجمعين.
أما بعد: فمن عظيم نعم الله علينا أن نجتمع اليوم لنحتفل بذكرى مرور مئتين وثمانين عاماً على تأسيس هذا الصرح المبارك، والمعهد العتيد، والجبل الأشم، والحصن الإسلامي الراسخ، والقلعة السنية المباركة، معهد (سيداقيري السلفي) رحم الله مؤسسه، ومن درسَ فيه ودرَّس، وبارك بالقائمين عليه، نصر به الإسلام على مدى الأيام.
أيها السادة: أُريد من الفقير أن يلقي كلمات تحت عنوان فخم مفخم عظيم معظم:
(حقيقة التَّصوف، وأهمِّيتُه للأجيال الناشئة، ودوره في بناء الحضارة العالمية)
وكما ترون فإن دوحة هذا العنوان تنشعب إلى ثلاثة أفانين، ستستظل إن شاء الله تعالى تحت كلٍّ منها ما شاء الله لنا أن نستظل، ونسأل الله تعالى أن يقسم لنا ذواقاً من ثمرات هذه الدوحة يكون غذاء لقلوبنا وعقولنا، صلاحاً لديننا ودنيانا.
فإلى مليكنا جل َّ جلاله نبرأ من حولنا وقوتنا، لا حول ولا قوة إلا بالله، وعليه اعتمادنا، وإليه نوفوض أمرنا، هو حسبنا ونعم الوكيل.
حقيقة التصوف
إن أول ما سنستظلُّ به هو الوقوف مع حقيقة التصوف، فتعالوا نطوِّف في فلك هذا المعنى الشريف، لعلنا نصيب من شريف معناه ما يكون إكسيراً لحياة أفئدتنا، فرُبَّ قطرةٍ من ذاكم الإكسير لو قطرت على صلد القلوب.. لتفجرت منها الأنهار، ولهبطت ساجدة في محراب العبودية من خشية الله، ورُبَّ نسمةٍ تروَّحت بشذيِّ تلكم المعاني لو باشرت مواتَ القلوب لأحيتها، ولصيَّرت بكيمياء سعادتها نَحْسَ نُحاساتها ذهباً نُضاراً.
ولقد تكاثرت الأقوال والعبارات في تعريف التصوف وبيان حقيقته، حتى قال الإمام الفقيه المحدِّثُ تقيُّ الدين ابنُ الصَّلاح رحمه الله تعالى في «طبقات الفقهاء الشافعية» في ترجمة الأستاذ الكبير الإمام المحقق أبي منصور البغدادي رحمه الله، المتوفى سنة (429هـ)، صاحب كتاب «الأسماء والصفات»، و«الفرق بين الفرق» وغيرهما: (وَرَأَيْت لَهُ كتابا فِي معنى لفظتي التصوف والصوفي، جمع فِيهِ من أَقْوَال الصُّوفِيَّة زهاء ألف قَول مرتبَة على حُرُوف المعجم)().
وقد تشرَّف بمطالعة كتاب «الأسماء والصفات» لهذا العلَم الكبير والبدر المنير؛ فعرفتُه محقِّقاً غوَّاصاً في أغوارِ المعاني؛ فلما رأيتُ مقالةَ ابن الصلاح هذه.. طفقت أبحث عن هذا الكتاب لعلي أظفرُ به؛ فأطوِّفَ بروحي وعقلي في رياض ألفِ معنىً للتصوف…
ولعلَّ قائلا يقول: ألا يغنيك عن ألف قولٍ ما قاله الإمامُ الشِّهابُ السُّهْرَوَرْديُّ رحمه الله، المتوفى (632هـ) في كتابه النفيس «عوارف المعارف»: (وأقوال المشايخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول، ويطولُ نقلها، ونذكرُ ضابطاً يجمعُ جمل معانيها؛ فإن الألفاظ وإن اختلفت متقاربة المعاني) ثم ذكر الضابط فقال: (الصُّوفي: هو الذي يكون دائم التصفية، ولا يزال يصفي الأوقات عن شوائب الأكدار، بتصفية القلب عن شوب النفس، ويعينه على هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه؛ فهو قائم بربِّه على قلبِه، وقائمٌ بقلبِه على نفسِه، قالَ الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لله شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾() وهذه القوَّامية لله على النفس هو التحقُّق بالتَّصوف)().
قلتُ: بلى؛ الضابطُ يوقفنا على حقيقة التَّصوف في الجملة، وهذا وإن كان العقل يقنعُ به غير أن الروح لا تقنع حتى تتروَّح من كل نفَسٍ من أنفاس أهل الحقائق برَوحٍ وريحان، ، غيرَ أنني بعد بحث وتنقيب في المكتبات المخطوطات وفهارسها لم أظفر بكتاب الأستاذ أبي منصور؛ فـ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾().
لئن كان الزمان قد ضنَّ علينا بهذا الكتاب النفيس إلا أنه حفظ علينا كثيرا من عبارات أرباب القلوب من ساداتنا الأكابر؛ فتعالوا نقف مع بعض تلك الحروف النورانية في بيان حقيقةِ التصوف:
قال الإمام القاسم النصراباذي المتوفى سنة (367هـ): (أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات)().
فلا والله ما عرفَ من التَّصوفِ شيئاً من تنكَّب عن حكمِ الله وهديه ممَّا جاء به الكتاب المبين، وبيَّنه النبيُّ الأمين صلى الله عليه وسلم.
فالتصوف أساسه: اعتقادٌ صحيح بالله جل جلاله، واعتقاد صحيح برسله وأنبيائه، واعتقاد صحيحٌ بملائكته وأوليائه، ثم اتباع صحيح لشريعته ومنهاجه، وحفاظ على القلب الذي هو محل اطلاع الرب جل جلاله بجلب كلِّ ما يزيد القلب نورا، ومنعه من كل ما يلحق به من ظلمة.
أخرج ابن أبي حاتم في «العلل» عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عُقدة رأيه»().
ولقد أظهر الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله عقيدة السادة الصوفية في فاتحة «رسالته» الخالدة «الرسالة القشيرية» عقيدةَ السادة الصوفية وبيَّن أنها لا تخرج عن شيء من عقيدة أهل الحقِّ().
إن أعظم ما عُبدَ اللهُ تعالى به هو صحة الاعتقاد، وماذا عساه ينفع العمل وإن كثر إذا لم يقم على أساس متين من اعتقاد صحيح مكين.
ومما ينبغي التنبُّه إليه في هذا السياق: أن كثرة العبادة لا تدل على صحة الاعتقاد ، وإنما الاعتقاد هو الأصل في صحة العبادات قلَّت أو كثرت.
ولقد اغترَّ كثيرٌ من الخلق بتعبُّد أهل البدع وتنسُّكهم وتزهُّدهم وتقلُّلهم من الدنيا؛ فظنوا ذلك دليلاً على حسن اعتقادهم؛ فكثُر من حولهم الأتباع من الرَّعاع؛ فرؤوس الكراميةِ المشبّهةِ والمعتزلة المعطلة كانوا غاية في التزهُّد والتعبُّد فاجتمع الناس من حولهم لذلك.
ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه القضيَّة الخطيرة؛ فقد روى الشيخان عن سيدنا أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً، فقال ذو الخُويصرة رجلٍ من بني تميم: يا رسول الله اعدل، قال: «ويلك، من يعدل إذا لم أعدل»، فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: «لا، إن له أصحاباً، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية»، قال الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (وفي هذه القصة تنبيهٌ على شرف العلم؛ لأن هؤلاء اشتغلوا بالتعبُّد عن العلم، فضيَّعوا الأصول، وكم من متزهِّد شغلَه الصلاة والصوم وهو مفرِّط في أصول كثيرة، والشيطان يلعب به لقلة علمه، وأقل ما يصنع به أنه يريه أنه خير من غيره)().
فالتَّصوُّفُ عمادُه الاتباعُ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وشِرعته في كلِّ ما أُثِر عنه صلى الله عليه وسلم.
فمن هنا قالَ الأستاذ أبو منصور البغدادي: (التصوف: مجانية الْأَجَانِب من كل جَانب، التصوف: غيث بِلَا عَيث).
وسُئل الشيخ أبو علي الرّوذباري عن التصوف فقال: (هذا مذهب كلُّه جِدٌّ؛ فلا تخلطوه بشيء من الهزلِ)
فليس التَّصوفُ إلا تزكية للنفس وفراراً من دسائسها؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾() حيث أناط الفلاحَ بتزكية النفس وتطهيرها من خبائثها.
بل إن الله تعالى جعل تزكية النفوس أعظمَ أعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرها مقدَّمةً على التعليمِ؛ حيث قال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾().
وإن أحسنَ وأفصحَ بيانٍ يُجلِّي ثمراتِ التزكية ما سماه حديثُ جبريل عليه السلام بالإحسان، وجلَّاه سيدُ البيانِ صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»()، فهذا والله هو جوهر التصوف الحقيقي، مراقبةٌ للرقيب جل جلاله، وحضورٌ دائمٌ معه سبحانه.
فتأمَّل يا ذا العقل والبصيرة مفهومَ التصوف عند أهله، ثم انظر بعد ذلك نظرتين:
أما إحداهما: فإلى قومٍ حاقدين على هذا المنهج القويم، ينعتونه ليلهم ونهارهم بالبدعة والضلالة، بل قد انبعث بعض أشقيائهم بالقول بأن التصوف دين غير دين الإسلام، وأن أتباعه رعاع الناس من الطَّغام().
وأما الثانية: فإلى قومٍ ركبوا متن الحماقة، وغيَّروا في شِرعة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبدَّلوا؛ فما تركوا منكراً إلا وأتوا به، ثم ماذا؟! ثم يقولون عن أنفسهم : إنهم صوفيَّة!!
ولك بعد ذلك أن تسألَ: أيُّ الفريقين أشدُّ للتصوف ظلماً؟!!
﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾().
أهمية التصوف للأجيال الناشئة
معنى كون الشيء مهمّاً: أن يكون له قيمةٌ وميزةٌ، تجعله يسمو على غيره من الأمور، ما يستدعي اتخاذَ كلِّ سببٍ لتحصيله، واتخاذَ كلِّ وسيلةٍ لدوامه وتحسينه.
والأهمية تختلف باختلاف ما تستتبعه من أثر، ومن هنا قسَّم الأصوليون الكلِّيات الخمسَ التي نادت بها كلُّ الشرائع الربانية إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيَّات،
والضروريات: ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، والحاجيات: ما يُفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب()، والتحسينيَّات: ما يقع موقع التحسين والتيسير للمزايا ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات().
وكل قسم له من الأهمية في الشريعة دون ما قبله؛ قال الإمامُ الشاطبيُّ: (كل حاجي وتحسيني إنما هو خادمٌ للأصل الضروري ومؤنس ومحسِّنٌ لصورته الخاصَّة، إما مقدمةً له أو مقارناً أو تابعاً، وعلى كلِّ تقديرٍ فهو يدور بالخدمة حواليه، فهو أحرى أن يتأدَّى به الضروري على أحسن حالاته)().
والتصوف من حيث إنه معرفةٌ بالله، وسعيٌ في الإعراض عما سواه؛ ليصفوَ القلبُ له وحدَه جلَّ جلاله.. فهو أرفع درجات الاعتقاد، فهو بحقٍّ الاعتقادُ في أحسن صوره.
والتصوف من حيث التقرُّب إليه بكل وسيلة شرعها سبحانه من عبادات ومعاملات، ومراقبته تعالى في الأقوال والأفعال والحركات.. فهو العبادة في أحسن صورها؛ فمن ثمَّ سمَّاه الشَّارع إحساناً.
فهو على سلَّم الأولويَّات عند الأصوليين من أهل المقاصد يندرج في التحسينيات، ولا يظنَنَّ ظانُّ أن التحسيني من حيث إنه كمالٌ وتزينٌ لا يكونُ إلا مندوباً؛ فإنَّ التحسينيَّ مطلوبٌ للشارع فمنه ما هو واجب ومنه ما هو مندوبٌ.
لنمسك زمام الكلام عن الخوض في أصول الفقه؛ فالمقام لا يتسع لمزيد التعمُّق فيه؛ لكن أحبُّ أن ألفت انتباه السادة الحاضرين أن أئمة الهدى من الأصوليين أدخلوا مباحث التصوف في مصنفاتهم الأصوليَّة؛ قياماً بحق منهج أهل السنة.
فهذا الإمام ابن السبكيِّ رحمه الله تعالى لما وضع مختصره النافع العزيز المسمى «جمع الجوامع» والذي جمعه كما قال من زُهاء مئة كتاب.. لم يخلِ كتابه من عقيدة أهل السنة والجماعة التي ختمها بما يناسبها من التصوُّف.
ووجه المناسبة بين العقيدة والتصوُّف: أنَّ كلّاً من العلمين يعمل على تصفية القلب وتطهيره؛ أولهما يظهره من خبائث الاعتقادات، وثانيهما يطهره عن خبائث الأمراض القلبية.
ولله در قاضي القضاة تاج الدين السبكي فيما صنع؛ فلقد جعل أقلام أكابر العلماء تجري في ميادين بيان الحق الخالص من عقيدة أهل السنة وتصوفهم الشريف، وألجأ كل طالب أصول أن يجلس بين يدي معاني التوحيد والتصوف رضي الله عنه وأرضاه.
ومثل ذلك فعل جماعة من أئمة المحققين كالإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد ابن رسلان الشافعي المتوفى سنة (٨٤٤هـ) في نظمه لـ«الزبد»، والإمام المحقق شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي المتوفى سنة (974هـ) في كتابه «التَّعرف في الأصلين والتصوف».
وكان الشيخ الإمام أبو الفضل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد الفاسي المعروف بـزرّوق المتوفى سنة (899 هـ) قد قعَّد التصوف على طريقة الأصوليين.
وللأهمية اعتبار آخر، ألا وهو اعتبار تكليف الشارع، والتصوُّف من حيث اشتماله على تطهير القلب وتزكيته من النفاق والكبر والعجب والرياء والغرور والحقد والحسد وسوء الظن بالله وعباده فرضُ عينٍ، وما كان فرضَ عينٍ فقد شدَّد الشارع الاعتناء به، وقصد تحصيله من كلِّ مكلفٍ، وكفى بهذا أهمية.
قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله: (وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها.. فقال الغزالي: إنها فرض عين)().
وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن محل نظر الله إلى عباده إنما هو القلب؛ حيث قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»().
وما ذاك إلا أن صلاح الإنسان موقوفٌ على صلاح قلبه وشفائه من علله الظاهرة والخفيَّة؛ كما أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»().
وسلامة القلب هي سبب النجاة يوم القيامة قال تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾()، قال حجة الإسلام: (وسلامةُ القلب صفةٌ تكتسب بالسعي؛ كفقه النَّفس)().
ثم إن الله تعالى خلق الإنسان جسدا وروحاً، وغرز فيه حوائج لجسده وروحه جميعاً، فمهما اجتهد الإنسان في إرواء غرائز جسده سيظل يستشعر حاجته الروحيَّة في فراغ رهيب في نفسه يسد عليه كل أبواب السعادة، ويصبغ دنياه بصبغة الشقاوة والعناء والتعاسة؛ فالإنسان خُلق ليكون عبداً لربه، فإن أعرض عن العبودية لله وانحط إلى دركات الشهوات والملذات الجسدية واستعبدته أهواؤه ورغباته ودنياه وأمواله ودرهمه وديناره.. ذاق من كؤوس التعاسة مما أخبر عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله: «تعسَ عبدُ الدرهم، وعبدُ الدينار، وتعسَ عبد الحُلَّة، تعسَ عبد القَطِيفة، تعسَ عبدُ الخَميصة، تعسَ وانتكسَ، وإذا شِيكَ.. فلا انتقشَ»()، يراه الناس في رغد من العيش، وصحة في البدن، وسعة في المال والقصور، غير أنه ذاق من أهوال الضيق والعناء، والعذاب والشقاء ما لا يعلمه إلا خالقه ربه ومولاه، وذاك مصداق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾() .
ولقد رأينا بني الإنسان كلما اتسعت عليهم دنياهم في البنيان والعمران والأموال.. ضاقت عليهم قلوبهم، وهذا الفقد للذائذ الروح بليَّةٌ عامةٌ في المجتمع الإنساني؛ فمن ثم رأينا من يلهث وراء لذات الجسد يبحث عن السعادة في غير محلها أكثر الناس قتلاً لأنفسهم فراراً من ضيق الإعراض عن الله تعالى.
لو أرعيتَ السمع لسمعت نداء الحقيقة يتردد صداه في العالمين: (إلهي؛ ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحولاً).
لكل شيء إذا فارقته عوضٌ وليس لله إن فارقت من عوضِ
والتصوف الحق هو الذي به تجمل الصورة الإنسانية، فيرقى الإنسان به إلى أسمى معاني الكمال البشري، فهو الدواء لأدواء النفوس، وهو معراج الروح إلى حضرة القدوس؛ فمن ثمَّ كان التصوف هو المنقذ من الضلال، وبه إحياء علوم الدين في العالمين، وليس لكل فرد منا معشر المسلمين ناشئين وشاباً وشيوخا عنه غنى في التربية الصالحة الناجحة والسلوك الصيح في صراط الجد والاجتهاد في أعمال الدنيا والدين.
دور التصوف في بناء الحضارة العالمية
لعل أول ما يتبادر إلى الأذهان حينما تطرق أسماعنا كلمةُ الحضارة الأبراجُ التي تعانق السماء، والطائراتُ التي تمخر عنانها، والحواسيب والاتصالات والذكاء الصناعي، وهذا إنما هو المدنيَّة، وأما الحضارة فهي أسلوب العيش بقيم قويمة وأخلاق رفيعة.
الحضارة هي الأخلاق وحسن عمارة الكون بما ينفع الناس ويصلحهم، ويقابلها الجهالةُ والهمجيَّةُ والتوحشُ.
فشتان بينها وبين المدنيَّة العارية عن الأخلاق التي سخَّرت علوم الإنسان لقتل الإنسان واستعباده، وبين الحضارة بالمعنى الذي بيناه.
وماذا عساه ينفع تقدم الإنسان في عمرانه وآلاته وفنوه وعلومه إذا كان الإنسان نفسه يتقهقر في أخلاقه، وينحط في إنسانيَّته إلى حضيض المسكرات والمخدرات والجريمة والقتل والفجور.
إن العالم اليوم يعيش أزمة أخلاقيَّة وفراغاً روحيّاً لا يستنقذه منهما إلا إسلامنا الحضاريُّ المتكامل بتصوفه الذي يشبع الروح ويرقى بالأخلاق وينظم الدنيا بشريعة غراء فيها خير البشرية جمعاء.
ما أحوج الدنيا لدين محمد لبناء صرح المجد والعمران
يدعو الجميع إلى عبادة واحد ويكرِّم التقوى من الإنسان
سبق أن ذكرنا أن التصوف من التحسينيَّات في سلم الكليات الشرعية، وما أجمل قول ابن عاشور وهو يحدثنا عنها بما يشعرك أنها التصوف بعينه: (والمصالح التحسينية هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوباً في الاندماج فيها أو في التقرب منها. فإن لمحاسن العادات مدخلًا في ذلك والحاصل أنها مما تراعى فيها المدارك الراقية البشرية)().
إن التصوف هو مدرسة الحب المحمدي التي فاح شذاها في العالمين فبالتصوف وأهله نفذ الحب إلى قلوب أهلنا في إندونيسيا وتنسَّم أهلها عبير الإيمان؛ فصيَّرها الله بلاد المحبين، أظهر الله فيها بركة الصالحين وسيَّر إليه جموعاً من أوليائه، وصَّير أرضها المباركة أرض الإسلام العامرة بالمساجد والساجدين.
وبدعوة العلماء من السادة الصوفية انتشر الإسلام في القرن الإفريقي وغيره الكثير من بلاد الله، ولا ينكر صلة التصوف بدخول الناس في دين الله إلى جاحد معاند.
ومن قبلُ كان تحرير بيت المقدس على يد جيش تربى على تصوف الإمام الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلاني، فبالتصوف ظهر جيل صلاح الدين وبه صلحت النفوس وتأهلت الأمة للفتح المبين.
وبالتصوف فتحت القسطنطينية على أيدي رجال الله الذين امتدحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»() .
وهؤلاء أكابر علماء الإسلام الذين بنوا صرح العلوم، ورفعوا رايات الحق، وشادوا بنيان الحضارة من خواص العباد وأكارم الزهاد، لبسوا ثوب التصوف ظاهراً وباطناً، وكانوا يتسابقون في الثناء على الصوفية والتصوف.
فرضي الله عن السادة الصوفية، وأقول كما قال الإمام تاج الدين ابن السبكي في كتابع الماتع النافع «معيد النعم ومبيد النقم»: (الصوفيّة: حيّاهم اللَّه وبيّاهم، وجَمَعنا في الجنَّة نحن وإياهم)().












